طريق مجردة 'Via Bagrada 2'.. حين يتحول النهر إلى طريق للثقافة والسياحة
لم يعد نهر مجردة مجرّد مجرى مائي يشقّ الشمال الغربي التونسي، بل يتحوّل تدريجيا إلى خيط جامع بين مدن وذاكرة وموروث ثقافي وطبيعي متنوّع. ومن هذا التصوّر ولد مشروع ''طريق مجردة – Via Bagrada''، الذي يعود في دورته الثانية من 2 إلى 4 أكتوبر 2026، في رحلة تجمع الثقافة بالتراث والسياحة والبيئة، وتمتد هذه المرة بين تستور وتبرسق والسلوقية.
وفي مدينة أوتيك، إحدى أبرز المحطات التاريخية على امتداد طريق مجردة، انتظمت أمس 17 سبتمبر الندوة الخاصة بتقديم الدورة الثانية من التظاهرة، التي تنظمها جمعية Museum Lab، لتكشف عن برنامج يسعى إلى جعل المنطقة وجهة ثقافية وسياحية متكاملة، لا تكتفي بعرض ما تختزنه من ثراء، وإنما تعمل أيضا على ربط الفاعلين المحليين والجهويين ببعضهم البعض.
من مجرّد نهر إلى هوية مشتركة
وانطلق مشروع ''طريق مجردة'' سنة 2020 من فرع جمعية Museum Lab بالكاف، في إطار رؤية تجعل من الماء عنصرا جامعا لهوية ثقافية وطبيعية متنوّعة ليغطّي كامل المجال الذي يعبره مجردة، من باجة وجندوبة والكاف وسليانة، وصولا إلى منوبة وبنزرت، بما يختزنه هذا المجال من مدن عتيقة ومواقع أثرية وحرف ومهارات تقليدية وموسيقى أندلسية ومهرجانات للتراث المحلي، فضلا عن المناظر الطبيعية والموارد المرتبطة بنهر مجردة ومحيطه.
لكن هذا الثراء، وفق ما يطرحه المشروع، مازال غير مستغل بالشكل الكافي، بسبب ضعف التشبيك بين مختلف الفاعلين ومحدودية تبادل الخبرات والمبادرات المحلية الرامية إلى تثمين هذا الإرث. ومن هنا جاءت فلسفة ''Via Bagrada'': بناء وجهة ثقافية لا تقوم فقط على المكان، بل على شبكة من الأشخاص والمؤسسات والمبادرات التي تصنع الحياة الثقافية والسياحية في المنطقة. فإذا كانت الدورة الأولى سنة 2024 قد أسست لهذه الديناميكية، فإن الدورة الثانية تذهب خطوة أبعد، من خلال وضع التشبيك بين الفاعلين في قلب المشروع. ويشمل ذلك الجمعيات الثقافية والتراثية، والجماعات المحلية، والمؤسسات الجهوية، والمهنيين في السياحة الثقافية، والحرفيين، وأصحاب المشاريع الإبداعية، إلى جانب الشباب وجمعيات صيانة المدن العتيقة.
وفي هذا الإطار، يسبق التظاهرة لقاء ميداني مبرمج يوم 24 سبتمبر 2026، يجمع الجمعيات والفاعلين الثقافيين في منطقة وادي مجردة، بهدف الحوار وتبادل التجارب وتحديد الاحتياجات ومجالات التعاون الممكنة.
وقد سجّل هذا المسار نحو 30 مترشحا، في خطوة تهدف إلى الانتقال من مجرد التعريف بالمبادرات القائمة إلى خلق مشاريع ثقافية مشتركة وشراكات أكثر استدامة. ولا يقتصر الرهان على تنظيم فعاليات ظرفية، بل يمتد إلى وضع أسس استراتيجية ثقافية مشتركة وحوكمة تشاركية يمكن أن توحّد جهود مختلف الفاعلين في الشمال الغربي.
تستور.. البداية من مدينة تحمل ذاكرة أندلسية
من 2 إلى 4 أكتوبر، تنفتح ''Via Bagrada'' أمام الجمهور في ثلاث محطات هي تستور وتبرسق والسلوقية، وتحضر تستور في صدارة المسار، بما تمتلكه من مدينة عتيقة وخصوصية معمارية وثقافية مرتبطة بتاريخها وموروثها الأندلسي. وتشمل البرمجة المدينة العتيقة، ومسالك في الفضاءات المفتوحة، إلى جانب مقهى أندلس وفندق ابن زيدون، لتتحول المدينة إلى فضاء مفتوح لاكتشاف التراث والثقافة والمنتجات المحلية. وفي مقهى أندلس، ينتظم أيضا سوق للمنتجات المحلية والحرف اليدوية، فيما تفتح ''دار بسيد'' أبوابها لموائد الضيافة لدى السكان المحليين، بما يتيح للزائر الاقتراب من الموروث الغذائي وتجارب المنطقة من داخلها، لا من خلال عرض سياحي تقليدي فقط.
أما تبرسق، فتقدّم وجها آخر من وجوه طريق مجردة، يجمع بين المدينة العتيقة والمواقع الأثرية والموروث الزراعي، ويمتد المسار إلى الموقع الأثري دقة، إلى جانب معاصر الزيتون التقليدية، في محاولة لربط التاريخ بالممارسات المحلية التي لا تزال حاضرة في المنطقة. ويحتل زيت الزيتون مكانة خاصة ضمن هذه التجربة، من خلال مسلك للسياحة المرتبطة بالزيتون، يتيح اكتشاف المعاصر وأشجار الزيتون المعمّرة والتعرّف على إنتاج زيت الزيتون وتذوقه.
وفي السلوقية، يأخذ المسار منحى مختلفا، إذ يسلط الضوء على السياحة المرتبطة بالكروم، من خلال زيارة مجال ''شدرابا'' والتعرّف على المنتجات والمشروبات المحلية. وهكذا لا تقدّم التظاهرة طريقا واحدا أو تجربة سياحية موحّدة، وإنما تفتح أمام الزائر مجموعة من المسارات التي تكشف تنوع المنطقة في رحلة في المدن العتيقة والمواقع الأثرية، وفي الزيتون والكروم، وفي الطبخ والحرف، وفي الصورة والسينما والسيرك، لكنها أيضا رحلة في علاقة الإنسان بالماء والطبيعة ومحيطه.
الفن والبيئة والتنمية في قلب الطريق
الثقافة والفن ليسا مجرّد عنصرين مرافقين للبرنامج، بل يشكلان أحد محاوره الأساسية إذ تتضمن الدورة الثانية عرضا في فنون السيرك بالتعاون مع مؤسسة المسرح الوطني، إلى جانب معرض للتصوير الفوتوغرافي حول التراث بالتعاون مع المعهد الفرنسي بتونس. وتحضر السينما من خلال عرض موسيقي سينمائي بالتعاون مع معهد غوته الألماني، إلى جانب عروض لأفلام تتناول القضايا البيئية، بالتعاون مع مكتبة الوسائط المتعددة للمعهد الفرنسي وتلك التابعة لمعهد غوته. وفي موازاة ذلك، تحضر الحرف والمهارات التقليدية من خلال اللقاءات والورشات، بما يجعل الثقافة في ''طريق مجردة'' مرتبطة بالممارسة اليومية وبالاقتصاد المحلي وبالذاكرة الجماعية.
ولأن المشروع ينطلق أساسا من النهر، فإن البيئة تجد لنفسها موقعا مركزيا في هذه الدورة. فإلى جانب ورشة للأطفال حول فرز النفايات وإعادة التدوير والحد من النفايات، يتضمن البرنامج يوما مهنيا مخصصا لموضوع جودة المياه والموارد المائية لنهر مجردة، في محاولة لفتح النقاش حول التحديات البيئية التي تواجه المنطقة. وهنا تتضح إحدى الأفكار الأساسية للمشروع: لا يمكن فصل السياحة عن البيئة، ولا التراث عن التنمية المحلية. فالموروث الطبيعي والثقافي، بالنسبة إلى ''Via Bagrada''، يمثلان معا موردا يمكن تثمينه، شرط حمايته ونقل المعرفة المرتبطة به إلى الأجيال القادمة.
ولعلّ ما يميز ''طريق مجردة'' هو أن الرهان لا يتوقف عند تنظيم مهرجان أو تجميع عدد من الأنشطة في عدة مدن. فالمشروع يسعى إلى بناء وجهة ثقافية متكاملة تجمع حول مجردة عناصر متعددة: التراث، الثقافة، البيئة، السياحة، المنتجات المحلية، الحرف والمهارات التقليدية.
ومن خلال التشبيك بين الجمعيات والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والخاصة، يطمح المشروع إلى دعم مبادرات ثقافية جديدة، وتنظيم فعاليات مشتركة، وإرساء شراكات طويلة المدى تتيح للمبادرات المحلية أن يكون لها حضور على المستوى الوطني والدولي. وبذلك يصبح ''طريق مجردة'' مشروعا يتجاوز منطق ''اكتشاف مكان'' إلى ''بناء شبكة حول المكان''.
وتتولى جمعية Museum Lab تنفيذ المشروع، الذي انطلق سنة 2020 من خلال فرعها الجهوي بالكاف، مع الاعتماد على شراكات مع عدد من المؤسسات والهياكل المحلية والجهوية. ومن بين الشركاء: وكالة إحياء التراث، مركز تونس الدولي للاقتصاد الرقمي، الجامعة التونسية لمهن السياحة، المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بباجة، جمعية صيانة مدينة تستور، جمعية صيانة مدينة تبرسق، مركز تقديم التراث الثقافي بتستور ودار الثقافة تستور.